ابن رشد

11

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

الحاجة وكان عموم البلوى في هذه المسألة يقتضي أن ينقل اشتراط الولاية عنه ( ص ) تواترا أو قريبا من التواتر ثم لم ينقل ، فقد يجب أن يعتقد أحد أمرين : إما أنه ليست الولاية شرطا في صحة النكاح وإنما للأولياء الحسبة في ذلك ، وإما إن كان شرطا فليس من صحتها تمييز صفات الولي وأصنافهم ومراتبهم ، ولذلك يضعف قول من يبطل عقد الولي الأبعد مع وجود الأقرب . الموضع الثاني : وأما النظر في الصفات الموجبة للولاية والسالبة لها ، فإنهم اتفقوا على أن من شرط الولاية : الاسلام والبلوغ والذكورية ، وأن سوالبها أضداد هذه : أعني الكفر والصغر والأنوثة . واختلفوا في ثلاثة : في العبد والفاسق والسفيه . فأما العبد فالأكثر على منع ولايته ، وجوزها أبو حنيفة . وأما الرشد فالمشهور في المذهب : أعني عند أكثر أصحاب مالك أن ذلك ليس من شرطها ، وقد روي عن مالك مثل قول الشافعي ، وبقول الشافعي قال أشهب وأبو معصب . وسبب الخلاف : تشبيه هذه الولاية بولاية المال ، فمن رأى أنه قد يوجب الرشد في هذه الولاية مع عدمه في المال قال : ليس من شرطه أن يكون رشيدا في المال ، ومن رأى أن ذلك ممتنع الوجود قال : لا بد من الرشد في المال ، وهما قسمان كما ترى . أعني أن الرشد في المال غير الرشد في اختيار الكفاءة لها . وأما العدالة فإنما اختلفوا فيها من جهة أنها نظر للمعنى : أعني هذه الولاية فلا يؤمن مع عدم العدالة أن لا يختار لها الكفاءة . وقد يمكن أن يقال إن الحالة التي بها يختار الأولياء لمولياتهم الكفء غير حالة العدالة وهي خوف لحوق العار بهم ، وهذه هي موجودة بالطبع وتلك العدالة الأخرى مكتسبة ، ولنقص العبد يدخل الخلاف في ولايته كما يدخل في عدالته . الموضع الثالث : وأما أصناف الولاية عند القائلين بها فهي نسب وسلطان ومولى أعلى وأسفل . ومجرد الاسلام عند مالك صفة تقتضي الولاية على الدنيئة . واختلفوا في الوصي ، فقال مالك : يكون الوصي وليا ، ومنع ذلك الشافعي . وسبب اختلافهم : هل صفة الولاية مما يمكن أن يستناب فيها ، أم ليس يمكن ذلك ؟ ولهذا السبب بعينه اختلفوا في الوكالة في النكاح ، لكن الجمهور على جوازها ، إلا أبا ثور ، ولا فرق بين الوكالة والايصاء ، لان الوصي وكيل بعد الموت ، والوكالة تنقطع بالموت . واختلفوا في ترتيب الولاية من النسب . فعند مالك أن الولاية معتبرة بالتعصيب إلا الابن ، فمن كان أقرب عصبة كان أحق بالولاية ، والأبناء عنده أولى وإن سفلوا ثم الآباء ثم الإخوة للأب والأم . ثم للأب ثم بنو الإخوة للأب والأم ثم للأب فقط ثم الأجداد للأب وإن علوا . وقال المغيرة : الجد وأبوه أولى من الأخ ، وابنه ليس من أصل ، ثم العمومة على ترتيب الاخوة وإن سفلوا ثم المولى